السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
448
مفاتيح الأصول
لا يتوقف على النظري وإن لم يتوقف فالعلم بعدم البلدة غير متوقف على العلم بأنها لو كانت لنقلت ولا يلزم من عدم هذا عدم ذاك سلمنا توقف العلم بعدم هذه الأمور على العلم بأنها لو كانت لنقلت لكن ما ذكرتموه مثال واحد فلا يلزم حصوله في كلّ الصور فإن قسم باقي الصّور على المثال لم يفد اليقين لجواز أن يكون الفارق بين الأصل والفرع شرطا في الأصل أو مانعا في الفرع وأجاب عن هذا في النّهاية فقال بعد الإشارة إليه والجواب لم يتوقف العلم بعدم الواقعة العظيمة على أنها لو كانت لنقلت قوله العلم بانتفاء بلدة بين بغداد والبصرة ضروري وهذه القاعدة نظرية قلنا نمنع كونه ضروريا ولهذا لو سئل كل من يدعي عدمها عن سبب وعلة ذلك لأجاب بأنها لو كانت موجودة لاشتهر خبرها كاشتهار بغداد والبصرة فعلم أن ذلك العلم مستفاد من هذا الأصل والمبنى ذكر للتنبيه على القاعدة الكلَّية ومنها أن توفر الدواعي ومسيس الحاجة لو كان يقتضي التواتر بحيث يكون عدمه دليلا على الكذب للزم تواتر أمور كثيرة هي مما يتوفر الدّواعي عليها ويمسّ الحاجة إليها منها فصول الأذان والإقامة ومنها كثير من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وبطلان التالي ظاهر وفيه نظر كما أشير إليه في جملة من الكتب ففي النهاية فإن قيل يبين عدم العمومية في كلّ الصور عدم تواتر الإقامة فبعض نقلها أفرادا وبعضهم مثناة مع أنها من أجل الأشياء وأعظمها تكرّرا وكذا هنا من الصّلاة مع رفع اليدين والجهر بالتسمية وغير ذلك مع ظهورها غاية الظهور ولم ينقل متواترا وكذا انشقاق القمر وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطَّعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه من الأمور العظام والأشياء العجيبة ولم يتواتر نقلها وكون القرآن معجزا لا يعرف إلا بدقيق النظر وإعجاز هذه الأشياء ظاهر فلا يقوم مقام نقلها وكذا أقاصيص الأنبياء المتقدمين عليه السلام فالجواب النقض بالإقامة أجاب عنه القاضي أبو بكر بأن ذلك من المؤذن فعله والراوي لم ينقل ذلك لأنه نقل البعض وأغفل الباقي وهو استناد ذلك إلى المؤذن اعتقادا منه بسهولة هذا التساهل أو لأنهم عرفوا أن المسألة من الفروع التي لا يوجب الخطاء فيها كفرا ولا بدعة فيساهلوا فيها خصوصا مع اشتغالهم بالحروب والجهر بالتسمية لعله من اختلاف فعله حيث كان يجهر تارة ويخافت أخرى أو لأنه يخفى صوته في ابتداء القراءة ثم يعلو به بعد ذلك على التدريج ويسمع القريب منه جهر التسمية لعله من اختلاف فعله عليه السلام حيث كان يجهر تارة ويخافت أخرى أو لأنه يخفى في ابتداء القراءة ثم يعلو بعد ذلك على التدريج ويسمع القريب منه جهر التسمية دون البعيد وأما المعجزات فجاز أن يكون ناقل كلّ معجزة لا يبلغ حد التواتر ولم يتواتر كأقاصيص الأنبياء عليهم السلام لعدم غرض ديني بروايتها ثم قال واعلم أن النص الجلي على إمامة علي عليه السلام وإن نقل عن الإمامية متواترا خلفا عن سلف إلا أنه لم يتواتر عند غيرهم للتقية والخوف وقصور الدواعي عن نقله لدلالة قوله تعالى إنما وليكم اللَّه ورسوله والَّذين آمنوا الَّذين يقيمون الصّلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ودلالة خبر الغدير وخبر المنزلة والطَّائر وغير ذلك وإن كانت خفية إلا أنها صارت لفتور الدّواعي عن نقل النص الجلي وفي المنهاج وادعت الشيعة أن النص دل على إمامة علي عليه السلام ولم يتواتر كما لم يتواتر الإقامة والتسمية ومعجزات الرسول صلى الله عليه وآله قلنا الأولان من الفروع ولا بدعة في مخالفتهما بخلاف الإمامة وأما تلك المعجزات فلقلَّة المشاهدين وفي نهاية السّئول وخالفت الشيعة في القسم الثاني وادعت أن النّص الجليّ دلّ على إمامة علي عليه السلام ولم يتواتر كما لم يتواتر غيره من الأمور المهمة كالإقامة والتسمية في الصّلاة ومعجزات الرسول صلى الله عليه وآله كحنين الجذع وتسبيح الحصى ونحوهما ولهذا اختلفوا في إفراد الإقامة وفي إثبات التسمية والجواب عن الأولين وهما الإقامة والتسمية بأنّهما من الفروع والمخطي ليس بكافر ولا مبتدع فلذلك لم يتوفر الدّواعي على نقلهما بخلاف الإمامة فإنها من أصول الدّين ومخالفتها فتنة وبدعة وأما المعجزات فعدم تواترها لقلَّة المشاهدين لها وللشيعة أن يجيبوا بهذا الجواب فيقولوا إنما لم يتواتر النص الدّال على إمامة علي عليه السلام وعلى أولاده الأئمة الطَّاهرين لقلة سامعيه ومنها أن ذلك لو كان مما يفيد القطع بالكذب عادة لاتفق عليه جميع العقلاء وهو باطل وفيه نظر والتحقيق أن يقال إن المفروض لا يفيد القطع من جهة العقل كما يفيده الشكل الأوّل ونحوه من البراهين العقلية العظيمة إذ لم نجد من الأدلة العقلية ما يقتضي ذلك وأما من جهة العادة فلا إشكال ولا شبهة أنه يفيد العلم أحيانا كما يفيده إخبار الجمع والكثير وأما دعوى إفادته للقطع على وجه الكلية بحيث لا يتخلف في موضع ولو لمانع فغير معلوم وبالجملة المفروض من الأسباب العادية لحصول العلم كالتواتر والتجربة والحدس فيكون حاله حالها من غير فرق أصلا وينبغي التنبيه على أمور الأوّل صرح في التهذيب والنهاية وغاية السئول بوقوع الكذب في الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله ففي الأوّل لا شك في وقوع الكذب في الأخبار المروية عن الرسول صلى الله عليه وآله لقوله صلى الله عليه وآله ستكذب علي فإن هذا الخبر إن كان صدقا ثبت المطلوب في غيره وإلا ففيه وقد وجد في الأخبار ما يستحيل نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وآله وفي الثاني قد وجد في الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله ما هو كذب قطعا لوجوه الأول روي أنه صلى الله عليه وآله قال ستكذب علي فهذا الخبر إن كان صدقا ثبت في الأخبار المروية عنه كذب بعضها وإن كان كذبا فالمطلوب الثاني في الأخبار ما لا يجوز نسبته إلى الرسول عليه السلام ولا يقبل التّأويل فوجب القطع بكذبه الثالث روى عن شيعته أن نصف الحديث كذب وفي الثالث هذه المسألة لم يذكرها ابن الحاجب وحاصلها أن بعض الأخبار المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وآله كذب لأمرين أحدهما أنه روي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال سيكذب علي فإن كان هذا الحديث كذبا فقد كذب عليه وإن كان صدقا فيلزم أن يقع